الشوكاني
98
فتح القدير
مغالطة ، لما لم يجد جوابا عن الحجة التي أوردها عليه موسى ، فلما سمع موسى ما قال فرعون ، أورد عليه حجة أخرى هي مندرجة تحت الحجة الأولى ولكنها أقرب إلى فهم السامعين له ف ( قال ربكم ورب آبائكم الأولين ) فأوضح لهم أن فرعون مربوب لا رب كما يدعيه ، والمعنى : أن هذا الرب الذي أدعوكم إليه هو الذي خلق آباءكم الأولين وخلقكم ، فكيف تعبدون من هو واحد منكم مخلوق كخلقكم وله آباء قد فنوا كآبائكم ، فلم يجبه فرعون عند ذلك بشئ يعتد به ، بل جاء بما يشكك قومه ويخيل إليهم أن هذا الذي قاله موسى مما لا يقوله العقلاء ، ف ( قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ) قاصدا بذلك المغالطة وإيقاعهم في الحيرة ، مظهرا إنه مستخف بما قاله موسى مستهزئ به ، فأجابه موسى عند ذلك بما هو تكميل لجوابه الأول ، ف ( قال رب المشرق والمغرب وما بينهما ) ولم يشتغل موسى بدفع ما نسبه إليه من الجنون ، بل بين لفرعون شمول ربوبية الله سبحانه للمشرق والمغرب وما بينهما وإن كان ذلك داخلا تحت ربوبيته سبحانه للسموات والأرض وما بينهما ، لكن فيه تصريح بإسناد حركات السماوات وما فيها ، وتغيير أحوالها وأوضاعها ، تارة بالنور وتارة بالظلمة إلى الله سبحانه ، وتثنية الضمير في " وما بينهما " الأول لجنسي السماوات والأرض كما في قول الشاعر : تنقلت في أشرف التنقل * بين رماحي نهشل ومالك ( إن كنتم تعقلون ) أي شيئا من الأشياء ، أو إن كنتم من أهل العقل : أي إن كنت يا فرعون ومن معك من العقلاء عرفت وعرفوا أنه لا جواب لسؤالك إلا ما ذكرت لك . ثم إن اللعين لما انقطع عن الحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب ، ف ( قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ) أي لأجعلنك من أهل السجن ، وكان سجن فرعون أشد من القتل لأنه إذا سجن أحدا لم يخرجه حتى يموت ، فلما سمع موسى عليه السلام ذلك لاطفه طمعا في إجابته وإرخاء لعنان المناظرة معه ، مريدا لقهره بالحجة المعتبرة في باب النبوة وهي إظهار المعجزة ، فعرض له على وجه يلجئه إلى طلب المعجزة ف ( قال أو لو جئتك بشئ مبين ) أي أتجعلني من المسجونين ولو جئتك بشئ يتبين به صدقي ويظهر عنده صحة دعواي ، والهمزة هنا للاستفهام ، والواو للعطف على مقدر كما مر مرارا ، فلما سمع فرعون ذلك طلب ما عرضه عليه موسى ف ( قال فأت به إن كنت من الصادقين ) في دعواك ، وهذا الشرط جوابه محذوف ، لأنه قد تقدم ما يدل عليه فعند ذلك أبرز موسى المعجزة ( فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ) وقد تقدم تفسير هذا وما بعده في سورة الأعراف ، واشتقاق الثعبان من ثعبت الماء في الأرض فانبعث : أي فجرته فانفجر ، وقد عبر سبحانه في موضع آخر مكان الثعبان بالحية بقوله - فإذا هي حية تسعى - وفي موضع بالجان ، فقال - كأنها جان - والجان هو المائل إلى الصغر ، والثعبان هو المائل إلى الكبر ، والحية جنس يشمل الكبير والصغير ، ومعنى ( فماذا تأمرون ) ما رأيكم فيه وما مشورتكم في مثله ؟ فأظهر لهم الميل إلى ما يقولونه تألفا لهم واستجلابا لمودتهم ، لأنه قد أشرف ما كان فيه من دعوى الربوبية على الزوال ، وقارب ما كان يغرر به عليهم الاضمحلال ، وإلا فهو أكبر تيها وأعظم كبرا من أن يخاطبهم مثل هذه المخاطبة المشعرة بأنه فرد من أفرادهم وواحد منهم ، مع كونه قبل هذا الوقت يدعى أنه إلههم ويذعنون له بذلك ويصدقونه في دعواه ، ومعنى ( أرجه وأخاه ) أخر أمرهما ، من أرجأته إذا أخرته ، وقيل المعنى احبسهما ( وابعث في المدائن حاشرين ) وهم الشرط الذين يحشرون الناس : أي يجمعونهم ( يأتونك بكل سحار عليم ) هذا ما أشاروا به عليه ، والمراد بالسحار العليم : الفائق في معرفة السحر وصنعته ( فجمع السحرة لميقات يوم معلوم ) هو يوم الزينة كما في قوله - قال موعدكم يوم الزينة - ( وقيل للناس هل أنتم مجتمعون ) حثا لهم على الاجتماع ليشاهدوا ما يكون من موسى والسحرة ولمن تكون الغلبة ، وكان